عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
149
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 40 ] فلما تخلصوا عن حبس الوجود آيس الشيطان أن يصيبهم بسوء وانقطع عنهم سلطانه قال اللّه تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] . وقال ذو النون المصري : من علامات الإخلاص ، استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال واقتضاء ثواب العمل في الآخرة . وقال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا الإخلاص فكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه نبت فيه على لون آخر ، ثم اعلم أنه لا يتم الإخلاص إلا بالمراقبة . فصل في المراقبة قال اللّه تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « الإحسان : أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . اعلم أن المراقبة محافظة الأسرار عن الاستنار ، فكما أن اللّه كان على كل شيء رقيبا ينبغي أن يكون العبد على كل شيء من الأشياء ظاهره وباطنه رقيبا ، لئلا يجري عليه سوى المأمور به ، ويعلم أن اللّه رقيبه على ما يفعله ويتمناه ، فيكون رقيبا على بدنه ، يسايس الطريقة ولزوم المجاهدات وترك الشهوات ، رقيبا على قلبه يسايس المحبة عن ملاحظة الأغيار ولزوم الأذكار رقيبا على سره يسايس الأنوار عن الأستار في كشف الأسرار ، رقيبا على روحه بطوالع شموس الشواهد عن الالتفات إلى الدارين في بذل الوجود لنيل المقصود ، رقيبا على سره الخفي بسلطان الهوية وسطوات الألوهية عن وصمة أنانية الإنسانية في إفناء الصفات بالصفات والذات في الذات ، وهذا حقيقة قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] أي رقيبا على كلية أشياء الموجودات ليستعملها لما خلقن له . محفوظة عن استعمال غير ما خلقت له . فمن تحقق له قبول الحق فله دوام المراقبة . والمراقبة من باب المفاعلة وهو ما يكون بين الاثنين ، فالرب يراقب جميع حركات العبد وسكناته ظاهرا وباطنا مراقبة الحفظ والعناية وألطاف الربوبية ، والعبد يراقب جميع أوقاته وحالاته بظاهره وباطنه ، رضا ربه وإرادته وأحكامه وقضاءه وقدره وإشاراته وإلهاماته ووارداته وطوالعه وشواهده وتحلي صفاته وذاته ، مراقبة التقوى
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان . . . ، حديث رقم ( 1 - 8 ) ورواه البخاري ، كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان ، حديث رقم ( 50 ) ورواه غيرهما .